ابن عربي
92
فصوص الحكم
الوجوه . بل إنه لا يقنع العقل ولا يبعث الطمأنينة في القلب لأنه سلسلة من صفات السلب ، والمعرفة السلبية معرفة بلا شيء . أما المعرفة الثانية فهي أكمل المعرفتين إذ هي وليدة النظر في النفس واستكناه صفاتها ، ثم التحقق بأنها صورة خاصة أو مجلى خاص من مجالي الحق ، وأن فيها - من هذه الحيثية - قد تجلت كل الصفات الكمالية للحق . فالمعرفة الأولى هي معرفة الإنسان بالحق عن طريق معرفته بنفسه ، والثانية هي معرفة الإنسان بالحق عن طريق معرفته بنفسه التي يتجلى فيها الحق . وفي الأولى يعرف الإنسان نفسه على أنها خلق فقط . أما في الثانية فيعرفها على أنها خلق وحق معاً . ( 8 ) « فأنت عبد وأنت رب » الأبيات . هذه نتيجة لازمة لما سبق . لكل موجود - بما في ذلك الإنسان - ناحيتان : ناحية العبودية وناحية الربوبية . فهو عبد بمعنى أنه المحل الذي يظهر فيه حكم رب من الأرباب ( الأسماء الإلهية ) . ويعرف كل عبد ربه الخاص بالنظر إلى ذاته الخاصة والتأمل في صفاتها . وهذه هي المعرفة الأولى التي أشرنا إليها سابقاً . ولكنه من ناحية أخرى رب لربه : وهذا معنى قوله : « وأنت رب لمن له فيه أنت عبد » . وذلك لظهور حكم العبد في الرب - أي في الاسم الإلهي المتجلي فيه . هذا إذا فهمنا كلمة « رب » بالمعنى الذي يستعملها فيه ابن عربي غالباً وهو أي اسم من الأسماء الإلهية . ولكن هناك معنى آخر به نستطيع أن نسمي الإنسان أو أي موجود من الموجودات عبداً ورباً معاً . ويظهر أن هذا المعنى هو المشار إليه في البيتين الباقيين . الإنسان رب من حيث هويته التي هي إحدى تعينات هوية الحق ، وهو عبد من حيث إنه مخاطب بلسان الشرع : وهو المشار إليه بخطاب العهد في قوله تعالى : « وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ من بَنِي آدَمَ من ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قالُوا بَلى ! » ( قرآن س 7 آية 171 ) . فمن وجهة نظر أصحاب وحدة الوجود كل إنسان - بل كل موجود « رب » :